Oops! It appears that you have disabled your Javascript. In order for you to see this page as it is meant to appear, we ask that you please re-enable your Javascript!

اتركها لله وأبشر بالعوض

صورة , الدعاء , العوض , الحج
الدعاء

من فضل الله علينا أن جعل لكل بر جزاءا ولكل عمل مقابلا، فلا يضيع عنده صنيع الخير أبدا، ولا يُنس المعروف أبدا، مهما كان بسيطا أو قليلا فالله يجزي به ويضاعفه أضعافا كثيرة، ولا عجب فهو القائل: (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)).

وقد أمرنا الله عز وجل بالالتزام بما أمرنا به من الطاعات وأوجه البر، والانتهاء عما نهانا عنه ووعدنا بالعطاء الجزيل نظير هذا، فليكن هذا اليقين نصب أعيينا في كل أمرنا ولا نغفل عنه أبدا، فهو الحافز الذي يهون علينا الالتزام ويسهل في أعيننا الثبات على الحق، ومدافعة ما يتنازعنا من الرغبات التي لا يرضى عنها الله عز وجل ولا رسوله الكريم.

وهنا سوف ينصب حديثنا حول معنى من معاني التجارة مع الله، ومعاني اليقين بما عند الله، ومعاني مخالفة الهوى، وفضل ذلك في ميزان أعمال المسلم، حين يقف بين يدي الله، حيث يقول: (فَأَمَّا مَن طَغَىٰ (37) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَىٰ (39) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ (41)، وذلك انطلاقا من الحديث الشريف الذي يمثل ركيزة من ركائز الإيمان بالله والامتثال التام لأوامره ونواهيه، حيث يقول رسولنا الكريم –عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم-: (من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه)، صدق رسول الله –صلى الله عليه وسلم-.

ما يؤخذ من الحديث الشريف

إن هذا الحديث الشريف بكلماته بسيطة المبنى عميقة المعنى، وجليلة المرمى، يؤصل لمبدأ هام ينبغي أن يستوعبه المسلم جيدا، ويؤخذه بعين الاعتبار عند الإقدام على أي فعل أو اقتراف أي ذنب، بل عند القيام بأي عمل سواءا كان حلالا أو حراما، وهو أن أعمالنا في سجل محفوظ لا تمر منها صغيرة ولا كبيرة بلا تقييد وتقييم فإن كانت خيرا، فجزاء ونعيم وإن كانت شر فسيئة تستوجب عقوبة، فديننا لا يعرف العشوائية، ولا يستثنى عمل من الإحصاء والتدوين أبدا، ولما كان هذا الحال هو قاعدة عامة فعلى المسلم أن يتحرى ما يصدر عنه من أفعال فيرجوا الخير عند فعل الخير، ويترقب الشر والعقاب عند فعل الشر.

ولأن بعض الالتزام بأوامر الله ونواهيه يتطلب مجهودا شاقا وجهادا كبيرا جدا مع النفس ومغالبة للهوى، ومحاولة قاسية لكبح جماح النفس والسيطرة على شهوتها، وخاصة حين تصبح تلك الشهوة ميسرة ومتاحة بلا مانع أو رادع، فقد وعد الله الإنسان بتحصيل العوض الكبير والجزاء العظيم عن ذلك، وبالمكافأة الكبرى متى آثر هوى الله على هواه ورغبته.

الحديث فيه عموم المعنى وخصوصه، فالمعنى يشمل العوض عن كل معصية تترك فقط لأجل الخوف من الله وابتغاء مرضاته، وخصوصا ترك الشهوات والمتع مع القدرة عليها واستطاعة مواقعتها، لأن تلك اللحظات تبلغ الرغبة أقصاها ويصبح ابتلاء المسلم في أشده، فمن أمسك بلجام نفسه وفعلها، فبإذن الله سوف يعوضه الله بأفضل مما يتصور.

والعوض هنا يشمل العوض المادي المحسوس من جنس الشيء الذي امتنع عنه وتركه لله، ويشمل أيضا العوض في الآخرة بالثواب الكبير، ويشمل كذلك العوض بأي طريقة أو على أية هيئة يريدها الله عز وجل، فقد يكون العوض سعة في الرزق أ وبركة فيه أو بركة في الصحة أو سعادة تعدل سعادة الإنسان بنيل رغبته وتزيد عنها أضعافا مضاعفة بفضل الله، المهم في النهاية أن لحظات المكابدة والوجع لن تضيع سدى!
قصة من الواقع تعزز المعنى وتؤكده

المواقف الدالة على العوض من الكتاب والسنة

الكتاب والسنة وقصص الصحابة والتابعين زاخرة بمثل هذه المواقف ولكن آثرت ان أقص قصة سمعت تفاصيلها من صاحبتها، فهذا أوقع لأثرها في النفس.

والقصة لأخت تعرفت عليها في نطاق عملي، وهي تحكي أنها كانت مرتبطة بشخص ولكنهما لم يقدر لهما الزواج، فتزوجت هي ورزقت بأولاد من زوجها وتزوج هو كذلك، ولكن اقتضت الظروف أن يجتمعا بعد مرور سنوات على فراقهما، وحدث ما يُتوقع حدوثه في مثل هذه الأحوال، فراحا يستعيدا أحاديث الهوى وذكرى الأيام المنصرمة، وبلغ منهما الشوق مبلغا جعلهما دائمي التواصل عبر الهاتف ومواقع التواصل الاجتماعي، وفي وقت قصير وجدت نفسها تنخرط فيما يشبه الإدمان لوجود هذا الشخص في حياتها والتواصل معه في أي وقت وبأية وسيلة، لكنها لم تكن راضية عن ذلك وكانت دائما الندم عليه، وفي صراع دائم بين رغبتها في وصل هذا الحبيب وخوفها من الله وعقابه وشعورها بالذنب تجاه زوجها وتجاه حبيبها نفسه، لأنها تعلم أنها بذلك تعينه على ذنب عظيم وجرم كبير، ولكنها تماسكت وهي في قمة ضعفها ووجعها وتمالكت زمام نفسها وقررت أن تنهي هذا الوضع، بالفعل أبلغت حبيبها بهذا الأمر وانقطع التواصل بينهما.

وعانت عقب هذا القرار معاناة لم تكن تتصورها، فكانت تتمزق احتياجا إليه، وتموت في اليوم ألف مرة، شعور رهيب بالوجع والضعف احتل مساحات وقتها، ولكنها كانت تردد كلمة واحدة وهي تصرخ من شدة الألم: (والله ما فعلتها إلا لك والله يا رب ما فعلتها إلا خوفا منك، فأجرني في مصيبتي واخلفني خيرا منها!)

ولأن الله لا يخلف وعده، لم يمض وقت إلا وتبدأ في الحصول على التعويض، فيُقبل عليها زوجها كما لم يكن من قبل، وتجد في صلتها بزوجها متعة وحلاوة لم تكن تجدها من قبل، ويبارك الله لها في أبنائها، ويفتح لها أبواب الرزق والخير على مصراعيها، ويهدي الله قلب ذلك الحبيب ويفتح عليه فيعرف لها فضلها، ويستوعب حجم الخدمة التي قدمتها له، وأنها فعلت ذلك لتقيه وتقي نفسها من عذاب الله وغضبه، فيشكر لها صنيعها شكرا عمليا، لا تخالطه الحرمة ولا يلحقه السوء، ويذهب الله غيظ القلوب، وحرها ويبدلهما بردا وسلاما وطمأنينة وسعادة ليس لها حدود، وتقول أنها ما زالت حتي اليوم تجني ثمرات هذا الانتصار الذي حققته على نفسها.

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *