التهنئة بشهر رمضان المبارك على مرّ التاريخ

التهنئة في شهر رمضان

شهر رمضان له رائحة خاصة تميزه عن باقي شهور العام، حين يشارف شهر رمضان، فإن الناس يتحايون بعبارات ألفناها منذ وعينا على الحياة، تسير مع أبيك في صباك، فتجده يرفع يده لجاره، ويقول له بعد السلام: رمضان كريم، فيجيبه الجار: الله أكرم.

تشعر عندها أن رمضان قد طل بهيبته المعهودة، والتي تجعل الناس على استعداد تام له، فرحين ومحتفين بأشكال مختلفة. فجأة تمتلئ الشوارع بالياميش، وينصب بياعون الكنافة أفرانهم في الشوارع، والهواء يحرك الزينة والفوانيس، ويمر بائعون التمر، والعرق سوس، والمشروبات الرمضانية المختلفة، وتعج الشوارع بأصوات الصواريخ التي يلعب بها الأطفال في الشوارع، وتشعل جنون الكبار بأصواتها المدوية، ويعبق الهواء برائحة لا تألفها إلا في رمضان فقط، فتسعد بقدوم شهر رمضان، وتتمنى – للألفة التي يكون عليها الشارع والمجتمع – أن يصير العام كله رمضان، يتشارك فيه الناس التهنئة بقدومه، ويعدون عدتهم لنيل بركاته وخيراته، وأن تستمر المودة بين فئات المجتمع كافة، أن تنتشر موائد الرحمن، وولائم الأرحام، وتتسمر الأسر، لا سيما الأمهات، أمام التليفزيون حتى يحين موعد مسلسلاتهم، ويتابعون برامجهم. كل تلك المظاهر في الاحتفال لا تكون – غالبًا – إلا في رمضان.

ارتبط قدوم شهر رمضان بالطقوس والعادات والتقاليد والاستعدادات في مختلف البلدان، والأمم، وعلى مر العصور، وكل تلك الاستعدادات والطقوس الإجتماعية هي تهنئة بقدوم شهر رمضان الكريم، فشهر رمضان بالنسبة للناس، هو موسم التطهر والخلاص من الذنوب في الدنيا، وفيه يعبر الناس عن الجزء الرحيم التي تومض داخل نفوسهم، فتجدهم يصلون الأرحام، ويعطفون على الفقراء، ويتزودون من الطاعة والعبادة، ويبدأون اليوم بصلاة، وينتهون بصلاة، ويتوافدون من أجل هدف سام وحيد، صابرين لأجله أجلَّ الصبر، وهو مغفرة الذنوب، والظفر بالجنة.

التهنئة بشهر رمضان على مرّ العصور

1- في عصر الرسول – صلى الله عليه وسلم -:
كان الرسول – صلى الله عليه وسلم – إذا هلَّ شهر رمضان، يبشر به أصحابه، وهو بذلك يهنئهم ويعدهم لاستقبال شهر الخير، فهو الشهر الذي تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب النار، وتصفد فيه الشياطين.

ففي تبشيره – صلى الله عليه وسلم – تهنئة للناس بقدوم شهر البركة؛ فقال – صلى الله عليه وسلم – “أتاكم رمضان شهر مبارك”. والبركة تشمل البركة في الرزق والخير، والبركة في كل ما يخص المسلم في دنياه وآخرته.

فكان احتفاء الرسول بقدومه ليعد الناس للتقرب من الله، بطاعته، وقيام الليل، وذكر الله في كل وقت، واحتفاء بما يناله الناس من الأجر العظيم الذي لا يضاهيه أجر في هذا الشهر الكريم.

وفي تبشير الرسول – صلى الله عليه وسلم – بشهر رمضان، سنةٌ للناس باستحباب التهنئة بقدوم شهر رمضان، وتذكير الناس بضرورة اغتنام فرصة ذلك الشهر الكريم. وما أحوجنا للاقتداء بالرسول – صلى الله عليه وسلم – في احتفاءه وتهنئته للناس بشهر رمضان، وعمله الدؤوب في شكر الله على نعمه الكثيرة.

2- في العصر الفاطمي:
اختلفت مظاهر الاحتفاء بالشهر الكريم على مر العصور، فكل عصر له سماته وعاداته وتقاليده في التهنئة بقدوم شهر رمضان والاستعداد له.

في العصر الفاطمي؛ كان القضاة يدورون على المساجد ليشاهدوا ما تم إصلاحه في المساجد، والفرش، وما تم تعليقه من السرج والقناديل.

وكانت الأسواق التجارية في العصر الفاطمي تعج بمظاهر الاحتفاء بالشهر الكريم؛ فسوق السمكرية، داخل باب زويلة، كان يعج بأنواع الياميش وقمر الدين.

وكانت الأسواق تعج بالقطايف، والكنافة التي كانت تعد خصيصًا لأجل الخليفة الأموي: سليمان بن عبد الملك، وقيل أيضًا أنها كانت تعد للخليفة: معاوية بن أبي سفيان.

كانت مظاهر الاحتفال بقدوم الشهر الكريم لا تقتصر فقط على الشعب، والأطفال الذين كانوا يمرحون في الشوارع والأسواق متهللين بأغاني رمضان، بل كانت تمتد لتشمل الخليفة، الذي كان يقيم احتفالًا كبيرًا بقدوم شهر رمضان، وموكبه الكبير بين الناس احتفاءً وتهنئة بقدوم شهر رمضان الكريم.

3- في العصر العثماني:
كانت إذا ثبتت رؤية الهلال، كان للأعيان عاداتهم التي لا تنقطع تجاه الفقراء، وعامة الناس، وكان الاحتفاء يدخل فيه عمل الأرز باللبن، ويوزعونه على الفقراء والمحتاجين.

لقد كان الصدقات في العصر العثماني لا تنقطع عن الفقراء والمحتاجين، من المال، والأكل، والحلويات، وغيرها من مظاهر الاحتفاء والتهنئة في شهر رمضان.

لقد كان لشهر رمضان هيبته المعهودة على مر العصور، فإذا ثبتت رؤية الهلال في أي عصر، كان يهم الناس للاحتفاء بقدوم الشهر الكريم، وتمتلئ الشوارع بسائر مظاهر الاحتفاء، من بيع الياميش، وانتشار الفوانيس، وعطف الأغنياء على الفقراء، وغيرها من المظاهر التي استمرت بعد مجيء الإسلام.

الشعراء يهنئون بشهر رمضان

يقول البحتري، احتفالًا بقدوم شهر رمضان:
“بَنِي الإسْلامِ هذا خَيْرُ ضيفٍ، إذا غَشِيَ الكَريمُ ذُرَا الكِرَامِ يَلُمُّكُمُ على خَيْرِ السَّجَايَا، وَيَجْمَعُكُمْ على الهِمَمِ العِظَامِ فَشُدُّوا فيه أيدِيَكُمْ بِعَزْمٍ، كَمَا شَدَّ الكَمِيُّ عَلَى الحُسَامِ”.

وفي تصوير الشهر الكريم بضيف عزيز، يقول محمود حسن إسماعيل:
“أَضَيْفٌ أَنْتَ حَلَّ عَلَى الأَنَامِ، وَأَقْسَمَ أَنْ يُحَيَّا بِالصِّيَامِ قَطَعْتَ الدَّهْرَ جَوَّابًا وَفِيًّا، يَعُودُ مَزَارُهُ فِي كُلِّ عَامِ تُخَيِّمُ.. لا يَحُدُّ حِمَاكَ رُكْنٌ، فَكُلُّ الأَرْضِ مَهْدٌ لِلْخِيَامِ وَرُحْتَ تَسُنُّ لِلأَجْوَاءِ شَرْعًا، مِنَ الإِحْسَانِ عُلْوِيَّ النِّظَامِ بِأَنَّ الجُوعَ حِرْمَانٌ وَزُهْدٌ ** أَعَزُّ مِنَ الشَّرَابِ أَوِ الطَّعَامِ”.

وقد احتفل الشعراء بمظاهر التهنئة في رمضان، من انتشار الكنافة والقطايف، وانتشار الفوانيس، وظهور المسحراتي.

ففي الحديث عن القطائف، يقول ابن هبة الله المصري:
“وَأَتَى الصِّيَامُ فَوَافَتْنَا قَطَائِفُهُ، كَمَا تَسَنَّمَتِ الكُثْبَانُ مِنْ كَثَبِ أَهْلًا بِشَهْرٍ غَدَا فِيهِ لَنَا خَلَفٌ، أَكْلُ القَطَائِفِ عَنْ شُرْبِ ابْنَةِ العِنَبِ”.

ومنهم من تغزل في الكنافة وشكلها، وطعمها، منهم أبو الحسن الجزار المصري، يقول:
“وَمَا لي أَرَى وَجْهَ الكُنَافَةِ مُغْضَبَا، وَلَوْلَا رِضَاهَا لَمْ أَرِدْ رَمَضَانَها عَجِبْتُ لَهَا مِنْ رِقَّةٍ كَيْفَ أَظْهَرَتْ، عَلَيَّ جَفًا قَدْ صَدَّ عَنِّي جِفَانَهَا تُرَى اتَّهَمَتْنِي بِالقَطَايِفِ فَاغْتَدَتْ، تَصُدُّ اعْتِقَادًا أَنَّ قَلْبِيَ خَانَهَا”.

التهنئة بشهر رمضان في الدول العربية:

إن كل الأمة الإسلامية تسعد بقدوم شهر رمضان، وبما يحمله معه من الخير والبركات، وتتشارك الأمم هذه السعادة في أمور كثيرة، وأيضًا كل أمة لها طقوس تميزها عن غيرها في الاحتفال بمجيء الشهر الكريم، فهم يتشاركون العبادات، والطاعات، والنهل من خيرات هذا الشهر الكريم، ولكن لكل أمة طقوس تميزها للاحتفاء بقدوم الشهر الكريم.

ففي مصر؛ العادة دائمًا تقتضي وجود الكنافة والقطايف، وغيرها من المأكولات والمشروبات الرمضانية، هذه المأكولات اتسمت بها مصر على مر العصور، وتميزت بها عن غيرها من الدول العربية والإسلامية، وقد ارتبطت الكنافة والقطايف بالتراث الشعبي المصري ارتباطًا وثيقًا كما قلتُ سابقًا.

والمساجد في مصر دائمًا عامرة بالمصلين في صلاة التراويح، ويتعمد دائمًا القارئ أن يختم القرآن على مدار الثلاثين يوم من شهر رمضان.

وفي سوريا؛ يحرص السوريون على صلة الأرحام، ومشاركة البر والمودة فيما بينهم، ويحسنون بحفاوة على الفقراء والمساكين، ويطعمونهم. واتسم السوريون بإطلاق مدفع الإفطار عند حلول الموعد للإفطار، ويمر المسحراتي عادة ليوقظ الناس لتناول سحورهم، وتتقوى أواصر الشعب وروابطه في ذلك الشهر الكريم.

ورغم أن كل الدول الإسلامية تحتفل بقدوم الشهر الكريم بطرق قد تتشابه، مثل إقامة الموائد، والعطف على الفقراء، وصلة الأرحام، فإن كل شعب يتميز بطريقته التي يؤدي بها تهنئته تجاه أفراده.

أضف تعليق