خطبة الجمعة القادمة: الحياء من الله ومن الخلق ومن النفس شيمة الكرام وفطرة إنسانية سوية “مكتوبة”

الحياء من الله ومن الخلق ومن النفس شيمة الكرام وفطرة إنسانية سوية

حدّدت وزارة الأوقاف في مصر موضوع خطبة الجمعة القادمة، الذي يوفق السادس عشر من أكتوبر من عام ألفين وعشرون. وجاء العنوان: الحياء من الله ومن الخلق ومن النفس شيمة الكرام وفطرة إنسانية سوية.

الحمد لله الذي جعلنا مسلمين، وفطرنا على فطرة خير الخلق والمرسلين، ولم يكتبنا من المغضوب عليهم ولا الضالين، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، الحمد لله ملئ السماوات والأرض وملئ ما شاء الله من شيء بعد، الحمد لله عدد أنعم الله التي لا يعلم عددها ولا يحصيها سواه، والحمد لله عدد خلق الله، والصلاة والسلام على رسول الله، حبيبه من خلقه ومصطفاه، طب القلوب ودوائها وعافية الأبدان وشفائها، ونور البصائر والأبصار وضيائها، وملاذ القلوب الحائرة وأمانها، وعلى أزواجه وآل بيته المكرمين، وعلى صحابتهم الغر الميامين، وعلى تابعيهم وتابعي التابعين بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد…

فها نحن بين يدي يوم من خير أيام الله، تتنزل علينا الرحمات والبركات، وتشملنا نفحات اللطف والكرم من الله رب العالمي، إنه يوم الجمعة الطيب المبارك وإنها ساعة الجمعة التي لا تعدل فضلها ساعة ولا يعوض أجرها شيء، ونحن بصدد خطبة الجمعة المباركة التي نزكي بها أنفسنا ونتعلم أمور ديننا، ونستنبط منها ما يصلح دنيانا وآخرتنا ويصل بنا إلى مرضاة ربنا، وسيكون موضوع خطبتنا اليوم بعنوان (الحياء من الله ومن الخلق ومن النفس شيمة الكرام وفطرة إنسانية سوية) والتي نتعرف فيها على خلق الحياء ودرجاته وفضله وما ينبغي على المسلم أن يتصف به، ولعل عنوان الخطبة يقودنا للحديث في عدة محور أهمها: الحياء من الله، والحياء من الناس، والحياء من النفس، فلنبدأ على بركة الله.

اخوتي في الله إن الحياء خلق كريم، وسجية عظيمة، يتصف بها ذوي المروءة والعزة والفضل، وتدعوا لها مكارم الأخلاق، وتحث عليها كل المبادئ النبيلة والقيم السامية، وكيف لا والله عز وجل نفسه وصف بالحياء، فقد أخبرنا رسول الله “صلى الله عليه وسلم” فيما أخبرنا عن رب العزة أنه حيي كريم، فقال في حديثه عن الدعاء واستجابته وكرم الله الواسع وفضله على عباده الداعين، فيما يرويه عنه سلمان “رضي الله عنه وأرضاه”: (إِنَّ رَبَّكُمْ حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحِي مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا)، رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة والحاكم.

أما النبي “صلى الله عليه وسلم” رفيع الخلق كريم السجايا، صاحب المروءة والعزة والكرم فقد كان الحياء بعض صفاته التي لا تنفك عنه، وبعض طباعه التي لا تتغير، فقد كان رقيق الطبع حليم كريم حيي، لا يثور في وجه أحد ولا يسيء إلى أحد، ولا يقسوا على أحد (إلا فيما يتعلق بحقوق الله وحرماته)، وقد عرفنا ذلك من وصف أصحابه له وحديث من رافقوه وعاشروه وسعدوا بمرافقته وتشرفوا بصحبته ومن ذلك ما جاء في حديث أبي سعيد الخدري “رضي الله عنه وأرضاه” حيث قال واصفاً رسول الله “عليه السلام” وشدة حيائه: (كَانَ رَسُولُ اللَّه ﷺ أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ الْعَذْرَاءِ في خِدْرِهَا، فَإذَا رَأَى شَيْئًا يَكْرَهُه عَرَفْنَاهُ في وَجْهِهِ) متفقٌ عليه.

حث الإسلام على الحياء والتخلق به

لو أردنا أن نعرف الحياء لقلنا أنه الخلق الكريم الذي يحمل صاحبه على السلوك القويم، مخافة إتيان ما يذم به، وقيل في تعريفه أيضاً أنه كف النفس ومنعها عما لا ينبغي للمسلم وذي المروءة فعله مخافة غضب الله عز وجل وابتغاء رضاه، هذا هو أصل الحياء وجوهره.

أما ما نراه من الخجل والضعف عن قول الحق وتبني موقف الحق والدفاع عنه خجلاً من الناس أو خوفاً من نقدهم، أو مجاملةَ لهم ونزولاَ على رغباتهم فهو محض خجل وضعف وجبن، وهو ليس من الحياء المراد هنا في شيء، وليس من الخلق الممدوح أو الذي تدعوا إليه شريعتنا الغراء.

ولقد حث الإسلام على خلق الحياء ودعت إليه السنة النبوية المطهرة في أكثر من موضع منها حديث أبي هريرة “رضي الله عنه” عن النبي “صلى الله عليه وسلم” أنه قال: (الإيمَانُ بِضْعٌ وسَبْعُونَ “أوْ” بِضْعٌ وَسِتُّونَ” شُعْبَةً، فَأَفْضَلُها: قَوْلُ لا إلهَ إلَّا اللَّه، وَأَدْنَاها: إمَاطةُ الأَذَى عن الطَّرِيقِ، والحياءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإيمَانِ) متفقٌ عَلَيْهِ.

ومنها حديث بن عمر “رضي الله عنه وعن أبيه” عن المصطفى “صلى الله عليه وسلم” أنه مر برجل من الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء فقال: (دَعْهُ؛ فإِنَّ الحياءَ مِنَ الإِيمان) متفقٌ عَلَيْهِ، وكذلك حديث عمران بن الحصين “رضي الله عنه” عن النبي” صلى الله عليه وسلم”: أنه قال: (الحياء لا يأتي لإلا بخير)، وفي روايات أخرى (الحياء ير كله) و (الحياء كله خير).

ومما سبق يتبين لنا قيمة الحياء في الإسلام ومكانته الطيبة بين الأخلاق التي ينبغي للمسلم أن يتحلى بها ويحرص عليها، ولا يدعها ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي الأمي الحيي الأمين وعلى آله الأطهار المطهرين، وصحبه الكرام الطيبين، وعلى من اهتدى بهم وسار على نهجهم واستن بسنتهم إلى يوم الدين ثم أما بعد:

نواصل حديثنا عن أنواع الحياء ومراتبها، وليكن أولها الحياء من الله عز وجل، وهو أعلى مقامات الحياة وأفضلها وأرجاها وأثقلها في ميزان العبد عند لقاء ربه، وللحياء من الله عدة مظاهر منها الحياء من الله عند المعصية مما يحمل العبد على تركها والإقلاع عنها، علماً منه وأدراكاً لمراقبة الله عز وجل له واطلاعه على حاله، فيملأ قلبه الخجل من الله والحياء من أن يراه في موضع سوء أو حال سوء، فيترك ما هو فيه أو يستشعر الخجل والشعور بالذنب فينغصا عليه لذة المعصية، وقد حث النبي “صلى الله عليه وسلم” على هذا النوع من الحياء حين جاءه رجل يطلب منه أن يوصه، فقال: (أوصيك أن تستحيي من الله كما تستحيي من الرجل الصالح من قومك) صححه الألباني.

ومن الأقوال المأثورة في هذا الصدد ما جاء عن ابن القيم حيث يقول: من يستحيي من الله عند المعصية استحيى الله منه عند العقوبة.

والنوع الثاني هو الحياء من الملائكة، فبعضهم يرافق الإنسان منذ مولده وحتى موته، ففلا ينبغي أن يطلعوا على سوء حاله، وفي المأثور مما جاء عن السلف ما يؤكد هذا المعنى ويعززه، فقد قيل (إن معكم من لا يفارقوكم، فاستحيوا منهم، وأكرموهم).

أما الحياء من الناس فهو في مرتبة تالية وفيه الكثير من الخير شريطة أن لا يكون هدف المسلم وشغله الشاغل ستر ذنوبه ومعاصيه عن عيون الخلق مخافة ذمهم، والجرأة على الله في الخلوات، فهذا درب من النفاق المذموم ومورد من موارد الهلاك ، وقد ورد فيما ورد من بعض الأحاديث القدسية أن الله أوحي إلى بعض أنبيائه: قل لقومك: ما بالكم تسترون الذنوب من خلقي وتظهرونها لي. إن كنتم ترون أني لا أراكم فأنتم مشركون بي، وإن كنتم ترون أني أراكم فلم تجعلوني أهون الناظرين إليكم).

أما الحياء من النفس فهو دلالة احترامها وصدق إيمانها ومراقبتها، وعلامته الحياء في الخلوات وعدم التجرؤ على فعل المعاصي أو التورد فيما يوجب غضب الله أو حتى عتبه، وكلما زادت صلابة الدين كلما زاد حياء الإنسان من الله وحياؤه بينه وبين نفسه.

نسأل الله العظيم أن يحسن أخلاقنا، ويطهر من الذنوب أعمالنا، ويجعل سرنا خير من علانيتنا إنه ولي ذلك والقادر عليه.

أضف تعليق