فضل العشر الأواخر من شهر رمضان الفضيل

العشر الأواخر من شهر رمضان

إذا قلنا أن رمضان شارف على الانتهاء، فإننا نعني بذلك دخولنا العشر الأواخر من شهر رمضان، ورمضان شهرٌ كريم، سخي، يجود علينا من بدايته، ولا ينتقص برزقه الذي وهبه الله إياه، بل يزيد، ومن رحمة الله أنه جعل في رمضان فرصتين سانحتين، أوله، وآخره، فمن لم يستغل أوله كما ينبغي، فإن له فرصة أخرى في آخره، إذا كثف فيها عباداته، واجتهد فيها بطاعاته، وأقبل على الله بالأعمال الصالحة، والنية الخالصة، نال المغفرة التي يرجوها، والجنة التي وعد الله بها، وخرج من شهر رمضان وقد عم قلبه الرضا، والغبطة، واستحالت صفحته بيضاء ناصعة البياض.

إذا شارف رمضان على الانتهاء، وهو في العادة يأتي ناهيته في لمح البصر، نشعر بالحزن يعترينا، فالذي لم يستغله الاستغلال الأمثل يشعر أنه ضيع من بين يديه فرصة كبيرة كان ينتوي التمسك بها، لكنه سرعان ما فقد حماسته في العشر الأيام الأوائل من شهر رمضان، ومن اجتهد واستشعر حلاوة الإيمان في شهر رمضان الفضيل، فإنه يحزن لأنه يفقد متعة الصيام، والصبر عليه، وما يدخله في نفسه من السلوان، والطمأنينة، ويأبى أن يخرج من رمضان فيتعرض قلبه لوساوس الشيطان، ويقترف ذنبًا يعكر صفو صفحته.

لذا فإن العشر الأواخر من شهر رمضان، أملٌ ووداع؛ أملٌ لمن أراد أن يعوض ما فاته من الأيام الآنفة من شهر رمضان، فيكثف عباداته، ويلبي نداء الله له، ويرجو المغفرة، ويصل به الحد إلى الاعتكاف إن ملك وقته، ووداعٌ لمن استشعر حلاوة الإيمان في قلبه، وظل يجتهد حتى أصبحت نفسه مطمئنة هادئة، فإنه يكثف عبادته، ويدعو الله بحاجاته، ويقرأ القرآن حتى يختمه مرة أخرى في العشر الأواخر.

ولتقرأ: الحياة في شهر رمضان كما ينبغي أن تكون

ونخلص القول أن العشر الأواخر: هم الأيام العشرة الأخيرة من شهر رمضان الفضيل، أيام ميزها الله بالفضائل، وجعل فيها الخير والبركة الوافرة.

فضل العشر الأواخر من رمضان

بذكر العشر الأواخر من شهر رمضان، فإننا نذكر تحري ليلة القدر فيها، فمن فضائل العشر الأواخر أن فيها ليلة القدر، وهي ليلة خير من ألف شهر، أي أن من يغتنمها في العمل الصالح، الدؤوب والمستمر، فإن أعماله تعادل عمله في ألف شهر، والله أعلم.

وإلى جانب تحري ليلة القدر فيها، فإن القرآن تنزل على الأمة في هذا الشهر، فقد منَّ بالقرآن على الأمة الإسلامية، ووضع فيه من الخيرات ما يعد ولا يحصى، فالقرآن خير ما جاء للأمة الإسلامية، في الحياتين: الدنيا، والآخرة.

وبذكر ليلة القدر، لابد أن نذكر فضائلها على الأمة، تلك الفضائل التي خص الله بها هذه الليلة المباركة، وهي الفضائل التي يجب أن يضعها المسلم نصب عينيه وهو يؤدي عبادته، فحتمًا ستتحول عبادته من مجرد أداءً للفرائض إلى اجتهاد وتبتل وخشوع لعظمة ورحمة الله “سبحانه وتعالى”، وتلك الفضائل نوجزها في الآتي:

  • ليلة القدر عند الله خير من ألف شهر، يتنزل فيها الملائكة، والروح أي جبريل عليه السلام، على المتعبدين، وفي حلقات الذكر، ويأتون بما يحملونه من بركة وخير من عند الله “سبحانه وتعالى”، قال تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ).
  • تنزّل فيها القرآن الكريم، والقرآن كان لهداية البشر، وتوحيد رايتهم، وجمع كلمتهم، وخلاصهم مما شاب روحهم من التشتت بين الآلهة، ونبذ فيهم العصبية والتخلف، والقرآن له منزلة ودرجة عالية عند الله، فهو يشفع لقارئه ومتدبره، وكان الرسول “صلى الله عليه وسلم” يدرس القرآن للصحابة “رضي الله عنهم” فكانوا يتلقونه ويتدبرونه ويحفظونه ويعملون به، فانظر إلى خيرية القرآن الكريم!
  • قال تعالى: (فيها يفرق كل أمر حكيم) أي يفصل من اللوح المحفوظ إلى الكتبة أمر السنة وما يكون فيها من الآجال والأرزاق، وما يكون فيها إلى آخرها، كل أمر محكم لا يبدل ولا يغير.
  • قال رسول الله “صلى الله عليه وسلم” (من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه). فمن قام ليلة القدر، في عبادة، وتبتل، لا ينفك لسانه عن الدعاء وذكر الله، والاجتهاد بقراءة القرآن وتدبر معانيه، فإن الله يغفر له ما تقدم من ذنبه، وهي قيمة ودرجة كبيرة يرزقها للإنسان في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا: من غير المعقول أن يضيع الإنسان صفحته البيضاء بذنب متعمد قد يقع فيه، وفي الآخرة: لا أحتاج أن أذكر أن من غُفر له ما تقدم من ذنبه فإنه ينال الجنة “إن شاء الله.
  • أن السلام يعم هذه الليلة حتى مطلع الفجر، وذلك لسلامتها من العذاب، والعقاب، جراء ما يقوم به العبد من الطاعات، والعبادات التي يتقرب بها إلى الله “سبحانه وتعالى.
  • ومن أجل الفضائل التي خص بها الله “سبحانه وتعالى” هذه الليلة المباركة، أنه أنزل فيها سورة كاملة من القرآن الكريم، وأظن أن هذه السورة على قصرها، إلا أنها فيها من الحكمة ما لا نقدر على الإتيان بها بعقولنا القاصرة، ولكنا نتخذ منها ما نفهمه من الفضل الذي وهبه الله لهذه الليلة، وأنها ليلة واحدة كفيلة أن تغفر ذنوب العبد كلها، وأن تدخل في قلبه الإيمان والتقوى.

الرسول “صلى الله عليه وسلم” خير قدوة

وإذا تساءلنا، كيف نستغل هذه الليالي التي نتحرى فيها ليلة القدر، التي هي عند الله خير من ألف شهر، فإنا لا نجد سوى رسول الله “صلى الله عليه وسلم” قدوة حسنة نحتذي بها، ونسير على خطاه، ولا نحيد عنه، فهو معلم البشرية “صلى الله عليه وسلم”

كان الرسول “صلى الله عليه وسلم” إذا دخل العشر الأواخر من شهر رمضان يقول بـ(إحياء الليل)، وإحياء الليل معناه: قضاؤه في العبادة، والصلاة، وتلاوة القرآن الكريم، بقلب وجل، ونفس خاشعة، وعيون دامعة، إذًا فالواجب على المسلم أن يقوم ليله، يتقرب فيه إلى الله بالعبادة والتبتل والدعاء، ولا يترك نفسه للمشتهيات، والملهيات الأخرى التي لا تفيد في شيء.

وكان الرسول “صلى الله عليه وسلم” إذا دخل العشر الأواخر (يشد المئزر) أي يعتزل النساء، فلا ينشغل سوى بالعبادة، والطاعة، والتقرب إلى الله بكل روحه وقلبه.

وكان “صلى الله عليه وسلم” يعتكف في المسجد في العشر الأواخر من شهر رمضان حتى توفاه الله، والاعتكاف أجره عظيم في شهر رمضان، وخاصة في العشر الأواخر، فالمسلم، إذا لم يشغله شيء نحو عمل أو غيره، فإن الأولى به أن يعتكف في العشر الأواخر حتى يوهب قلبه وعقله لطاعة الله “سبحانه وتعالى”

إن العشر الأواخر من شهر رمضان، أيام مباركة، فضلها الله على غيرها، وجعل ليلة واحدة منها (ليلة القدر) خير من ألف شهر، فلا يجب أن نغفل عن هذا، وأن نشمر عن ساعدنا، ونستعد لها من بداية رمضان، ونوسع فيها دائرة العبادة، ونخطط لاستغلال أوقاتها فيما يفيد العبد وما يقربه من الله، ويكون سببًا في دخوله الجنة، بالصلاة، والقرآن، والذكر، والدعاء، وكل الأعمال الصالحة التي قد تخطر على بال المسلم، تكون سببًا لينال مغفرة الله “سبحانه وتعالى”

رابط مختصر:

أضف تعليق