خطبة الجمعة القادمة 20-3-2020: في رحاب سورة الإسراء

في رحاب سورة الإسراء , خطبة الجمعة القادمة

نُقدّم لكم هنا خطبة الجمعة القادمة بتاريخ ٢٠-٣-٢٠٢٠ بعنوان في رحاب سورة الإسراء.

الإسراء والمعراج دروس وعبر

الحمد لله الذي استوى على العرش سبحانه جل في علاه، الحمد لله الذي خرت له أعناق الجبابرة وخضعت له الجباه، الحمد لله الذي اجتبى آدم ثم تاب عليه واصطفاه، وأرسل نوحاً بالحق فأغرق بالطوفان من أعرض عنه وعصاه، وابتلى أيوب وآتاه الصبر وشفاه، الحمد الله الذي سمع شكوى يعقوب بعد أن ابيضت من الحزن عيناه، فرد له يوسف وقد حقق له رؤياه، والحمد لله الذي جعل النار برداً وسلاماً على خليله وأنجاه، والحمد لله الذي هدى اسماعيل وفداه، وآتى موسى الآيات ونصره وأنجاه، وابتلى مريم بروح منه وجعله سيداً وحصوراً وأنطقه في المهد أني عبدا الله، والحمد لله الذي نصر نبيه محمداً وأيده وأسرى به وجاوز به حدود العقل ومداه.

وأشهد أن لا إلاه إلا الله وأن محمداً نبيه وخاتم رسله وحبيبه من خلقه ومصطفاه، بلغ الأمانة وأدى الرسالة ونصح الأمة وكشف الله به الغمة، جزاه الله عنا خير ما جزى نبي عن أمته، ثم أما بعد:

فإن سنة الله عز وجل في كونه اقتضت أن لا تمضي الحياة على وتيرة واحدة من السعادة والراحة بل يعتريها العناء والكبد، ويتخللها الأم والكدر، ولم يستثني من ذلك الصالحين ولا الأتقياء ولا المرسلين ولا الأنبياء بل جعلهم أكثر الخلق ابتلاءً وأكثرهم صبراً وتحملاً، فهم يحملون هماً لا يحمله غيرهم من البشر ويحملون رسالة لا يتولاها سواهم، وهي رسالة التبليغ عن الله فكان ابتلاؤهم وتمحيصهم أولى، وهكذا كان حال نبي الله وخاتم رسله وحبيبه محمد “صلى الله عليه وسلم” منذ خلقه الله وهو يتنقل من امتحان لامتحان ومن بلاء إلى بلاء ويصبر ويجاهد ويعاني مرارة الخذلان والصد والإعراض من أهله وقومه وبنوا جلدته ممن شهدوا له بالأمانة والصدق وحسن الخلق، فقد تخلو عنه وحاربوه وتعرضوا له بكل صور الإيذاء والبطش لو لا أن كان مع النبي “صلى الله عليه وسلم” عمه أبو طالب وزوجته خديجة بنت خويلد ” رضي الله عنها وأرضاها” فقد كان كلاهما الدعم والمساندة والملجأ الكريم الذي يلوذ به النبي “صلى الله عليه وسلم” والقلوب الرحيمة المناصرة له والمؤيدة لدعوته، فكم كان وجودهما مانعاً له من أذى قريش وحامياً له من بطشها وظلمها، حتى كانت سنة ٦٢٠ من الميلاد، أي بثلاث أعوام قبل الهجرة فمات عم النبي أبو طالب ثم ماتت بعده بفترة قصيرة زوجته خديجة بنت خويلد بعد أن قضت في كنف النبي “صلى الله عليه وسلم أربعة وعشرين عاماً ونصف العام، في حب ودعم وتأييد للنبي لم يخذله يرماً واحداً ولم ينقطع عنه طوال عشرتهما معه، فكان من ذلك ما كان من الحزن والألم والتعب الذي أصاب النبي “صلى الله عليه وسلم” حتى أن النبي “صلى الله عليه وسلم أطلق على هذا العام عام الحزن.

بعد أن أصاب النبي من الحزن والألم ما أصابه جراء فقد عمه أبو طالب وزوجته خديجة قرر أن يخرج إلى الطائف استكمالاً لمسيرة الدعوة والتبليغ إلى الله، فلما وصل إليهم وعرض نفسه عليهم، وراح يدعهم إلى الإسلام ما كان منهم إلا أن آذوه وطردوه وأغرو به صبيانهم وغلمانهم فكانوا يرمونه بالحجارة حتى أصابوه وسال الدم من جسده الشريف، فوصل النبي إلى قمة الألم واستشعر الوحدة ولم يجد له نصيراً ولا معيناً يهون عليه ما يلقاه من قومه فآوى إلى شجرة وصلى ركعتين وراح يناجي ربه ويشكوا إليه ما مسه من التعب والضعف والوهن طالباً منه العافية والرضا فقال في حديث يرويه عبد الله بن جعفر رضي الله عنه: لما توفي أبو طالب خرج النبي إلى الطائف ماشيا على قدميه ، فدعاهم إلى الإسلام، فلم يجيبوه، فانصرف، فأتى ظل شجرة، فصلى ركعتين ثم قال: (اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، أنت أرحم الراحمين، وأنت ربي، إلى من تكلني، إلى عدو يتجهمني، أم إلى قريب ملكته أمري، إن لم يكن بك على غضب فلا أبالي، وعافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت به الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن ينزل بي غضبك، أو يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك).

فلما سمع الله عز وجل شكوى نبيه أراد أن يجبر خاطره وينصره على من آذاه فأرسل إليه جبريل “عليه السلام” ومعه ملك الجبال فأخبره أن الله يعثه إليه ليفعل بقومه ما يشاء، ولو شاء أن يطبق عليهم الجبلين لفعل، غير أن النبي “صلى لله عليه وسلم” أبى: وقال لعل الله يخرج من أصلابهم من يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وقد ورد في السنة النبوية ما يوثق هذا الموقف ويؤكده ومن ذلك حديث عائشة “رضي الله عنه” إذ تروي أنها قالت للنبي “صلى الله عليه وسلم” هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ قال: لقد لقيت من قومك، وكان أشد ما لقيته منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب فرفعت رأسي وإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل عليه السلام فناداني فقال: إن الله تعالى قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم فناداني ملك الجبال فسلم علي ثم قال: يا محمد إن الله قد سمع قول قومك لك وأنا ملك الجبال وقد بعثني ربي إليك لتأمرني بأمرك فما شئت؟ إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين فقال النبي “صلى الله عليه وسلم”: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئًا)) “متفق عليه
ولما كان قد اشتد على النبي الأذى وكثرت عليه الخطوب فأبى الله عز وجل إلا أن يسري عنه ويؤازره ويكرمه بمعجزة تبقى ذكراها خالدة بخلود الكتاب والسنة، فكانت معجزتي الإسراء والمعراج الهدية السماوية والعطاء الرباني العظيم الذي كانت بمثابة نقطة فارقة في تاريخ الدعوة الإسلامية بأسرها.

كانت حادثة الإسراء والمعراج قبل الهجرة بعام واحد أي في الفترة بين السنة الحادية عشر والثانية عشر من البعثة، والإسراء والمعراج هما معجزتين ورحلتين أما الأولى فيقصد بها رحلة النبي “صلى الله عليه وسلم” العجيبة والمعجزة المخالفة لمقاييس البشر ومقاييس الزمان والمكان حيث انتقل النبي من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، والتي وثقها التنزيل الحكيم في مطلع سورة حملت تسمية الرحلة وهي سورة الإسراء فقال: (: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ).

أما المعراج فيقصد به رحلة العروج و الصعود والارتقاء بالنبي “صلى الله عليه وسلم” من الأرض إلى أعلى مقامات السماء حيث سدرة المنتهى، وهي الأعجب والأغرب والخارقة لمقاييس العصر والبشر وخاصة وقتها وقد تحدث القرآن الكريم عنها في سورة النجم فقال عز وجل: (وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى).

أما عن أحداث الإسراء والمعراج فهي كثيرة جداً ومليئة بالإعجاز والعجب ولم يجمعها حديث واحد بل وردت فيها عدة روايات لعل من أبرزها وأشهرها في ما يتعلق بأحداث الإسراء ما جاء فيها أن النبي “صلى الله عليه وسلم” كان نائماً فأتاه جبريل فهزه بقدمه فاستيقظ فلم يجد شيئاً فجاء الثانية فهزه فاستيقظ فلم يجد شيئاً حتى إذا كانت الثالثة فاستيقظ النبي فرأى جبريل عليه السلام فأخذ يعضده واصطحبه إلى باب المسجد فوجد أمام الباب دابة بيضاء يقال لها البراق وهي بين البغل والحمار ولها جناحان، فحملت النبي وانطلقت به حتى إذا وصل إلى المسجد الأقصى فوجد فيه نفر من الأنبياء فأمهم النبي “صلى الله عليه وسلم” في الصلاة ، ثم عرض عليه جبريل عليه السلام آنيتين من لبن وخمر فاختار النبي “صلى الله عليه وسلم آنية اللبن وشرب منها وترك آنية الخمر، فقال له جبريل “عليه السلام” هديت إلى الفطرة وهديت أمتك يا محمد وحرمت عليكم الخمر، ثم انطلق بها فعاد إلى مكة.

أما المعراج فقد كان أشد عجباً وأخطر شأناً وقد رأى النبي فيه من المشاهد وحدث له من المواقف ما يجعل تلك الحادثة نقطة فاصلة في تاريخ الدعوة، ففيها فرضت الصلاة على النبي وعلى أمته وعرف حال الكثير من أهل الدنيا من أمته وعرف عقوبة بعض الذنوب والمعاصي، ولعل من أشهر الروايات والتي جمعت تفاصيل كثيرة من قصة المعراج ما راواه مالك بن صعصعة رضي الله عنه، عن النبي “صلى الله عليه وسلم” إذ يقول: ( بينما أنا عند البيتِ بين النائمِ واليقظانِ ” وذكر: يعني رجلاً بين الرجلين ” فأُتيتُ بطستٍ من ذهبٍ ، مُلِئَ حكمةً وإيمانًا، فشُقَّ من النحرِ إلى مَراقِّ البطنِ، ثم غُسِلَ البطنُ بماءِ زمزمَ، ثم مُلِئَ حكمةً وإيمانًا ، وأُتيتُ بدابَّةٍ أبيضَ دون البغلِ وفوقَ الحمارِ: البُراقُ، فانطلقتُ مع جبريلَ حتى أتينا السماءَ الدنيا، قيل : من هذا؟ قال جبريلُ، قيل: من معك؟، قيل: محمدٌ، قيل: وقد أُرسِلَ إليه، قال: نعم، قيل: مرحبًا ولنِعمَ المجيءُ جاءَ، فأتيتُ على آدمَ فسلمتُ عليه، فقال مرحبًا بك من ابنٍ ونبيٍّ, فأتينا السماءَ الثانيةَ، قيل: من هذا، قال: جبريل، قيل: من معك؟، قال محمدٌ ـ صلى الله عليه وسلم ـ، قيل: أُرسِلَ إليه، قال: نعم، قيل: مرحبًا به ولنِعمَ المجيءُ جاءَ، فأتيت على عيسى ويحيى فقالا: مرحبًا بك من أخٍ ونبيٍّ، فأتينا السماءَ الثالثةَ, قيل: من هذا، قيل: جبريلُ، قيل: من معك؟، قيل: محمدٌ، قيل: وقد أُرسِلَ إليه، قال: نعم، قيل: مرحبًا به ولنِعمَ المجيءُ جاءَ، فأتيتُ على يوسفَ فسلمتُ عليه، قال: مرحبًا بك من أخٍ ونبيٍّ، فأتينا السماءَ الرابعةَ، قيل: من هذا؟، قيل: جبريلُ، قيل: من معك؟، قيل: ـ محمدٌ صلى الله عليه وسلم ـ، قيل: وقد أُرسِلَ إليه، قيل: نعم، قيل: مرحبًا به ولنِعمَ المجيءُ جاءَ، فأتيتُ على إدريسَ فسلمتُ عليه فقال: مرحبًا من أخٍ ونبيٍّ، فأتينا السماءَ الخامسةَ ، قيل: من هذا؟، قال: جبريلُ، قيل: ومن معك؟، قيل: محمدٌ، قيل: وقد أُرسِلَ إليه، قال: نعم، قيل: مرحبًا به ولنِعمَ المجيءُ جاءَ، فأتينا على هارونَ فسلمتُ عليه، فقال: مرحبًا بك من أخٍ ونبيٍّ، فأتينا على السماءَ السادسةَ، قيل: من هذا؟، قيل: جبريلُ، قيل: من معك؟، قيل: محمدٌ ـ صلى الله عليه وسلم ـ، قيل: وقد أُرسِلَ إليه، مرحبًا به ولنِعمَ المجيءُ جاءَ، فأتيتُ على موسى فسلمتُ عليه، فقال: مرحبًا بك من أخٍ ونبيٍّ، فلما جاوزتُ بكى، فقيل: ما أبكاكَ؟، قال: يا ربِّ هذا الغلامُ الذي بُعِثَ بعدي ، يدخلُ الجنةَ من أمتِه أفضلُ مما يدخُلُ من أمتي، فأتينا السماءَ السابعةَ، قيل: من هذا؟، قيل: جبريلُ، قيل: من معك؟، قيل: محمدٌ، قيل: وقد أُرسِلَ إليه، مرحبًا به ونِعمَ المجيءُ جاءَ، فأتيتُ على إبراهيمَ فسلمتُ عليه، فقال: مرحبًا بك من ابنٍ ونبيٍّ، فرُفِعَ لي البيتُ المعمورُ، فسألت جبريلَ فقال: هذا البيتُ المعمورُ، يصلي فيه كلَّ يومٍ سبعون ألفَ ملَكٍ، إذا خرجوا لم يعودوا إليه آخِرَ ما عليهم، ورفعت لي سِدرةُ المنتهى، فإذا نبقُها كأنه قلالُ هجرَ، وورقَها كأنه آذانُ الفيولِ، في أصلِها أربعةُ أنهارٍ: نهران باطنان، ونهران ظاهران، فسألتُ جبريلَ، فقال: أما الباطنان ففي الجنةِ، وأما الظاهران النيلُ والفراتُ، ثم فرضت عليَّ خمسون صلاةً، فأقبلتُ حتى جئتُ موسى فقال: ما صنعتَ، قلتُ: فرضت عليَّ خمسون صلاةً، قال: أنا أعلمُ بالناسِ منك، عالجتُ بني إسرائيلَ أشدَّ المعالجةِ، وإن أُمتَّك لا تُطيقُ، فارجع إلى ربِّك فسلْه، فرجعتُ فسألتُه، فجعلَها أربعين، ثم مثلَه، ثم ثلاثين، ثم مثلَه، فجعل عشرين، ثم مثلَه ، فجعلَ عشْرًا، فأتيتُ موسى فقال: مثلَه ، فجعلها خمسًا، فأتيتُ موسى فقال: ما صنعتَ، قلتُ جعلَها خمسةً، فقال مثلَه: قلتُ: سلَّمتُ بخيرٍ، فنوديَ: إني قد أمضيتُ فريضتي وخفَّفتُ عن عبادي، وأجزي الحسنةَ عشْرًا ) رواه البخاري .

أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم

الحمد لله والصلاة والسلام على خير رسل الله،، من أيده بالآيات واصطفاه وعلمه واجتباه ثم أما بعد:

فمـما زادني شـرفـاً
وتـيــهـاً وكدت بأخمصي أطأ الـثريا
دخولي تحت قولك يا عبادي
وأن صـيَّرت أحمد لي نـبيـاً

فبعد أن استعرضنا أهم أحداث الإسراء والمعراج كما نقلتها لنا السنة النبي فلنتطرق للحديث عن الإسراء والمعراج دروس وعبر ولنستخلص ما انطوت عليه من القيم وما استفاد منها النبي والمسلمون المتأملون والمفكرون من بعده ولعل أهم ما فيها من الدروس ما يلي:

أنه مهما كان من خذلان الخلق وصدهم وإعراضهم، ومهما قست قلوبهم وانفضت عن الانسان، يبقى باب الله مفتوح وعطاءه متصل ونصره قريب من المتقين، ومهما اشتدت الخطوب فإنه يجب أن لا ييأس العبد من رحمة الله ومدده وعونه، فرحمته ليس لها حد وفضله عز وجل لا يعد، وهذا ما حدث مع النبي “صلى الله عليه وسلم” إذ كان قد وصل إلى قمة الخذلان والضعف والهوان على الخلق واشتد عليه الخطب، وقلت حيلته، فما كان من الله عز وجل إلا أن يؤازره ويعززه بنصر عظيم ومعجزة خالدة إكراماً له وتطيباً لخاطره الكريم، لنتعلم أن الله لا يتخل عن عباده ممن يتمسكون بحبله ويقفون ببابه، ويرجون فضله، فلا ينقطع الرجاء أبدا ولا يعرف اليأس طريقاً إلى قلوب المتقين.

ثم نبين لنا معجزة الإسراء والمعراج أن الهداية من الله وأن القلوب إذا ضلت وعميت لا يفلح معها حجة ولا ينفع معها برهان فحتى المعجزات لا يجمع علها الناس، ولا يصدقها الجميع فبينما يهتدي بها المؤمنون والطيبون ويتخذون منها حجة قوية وبرهاناً لا يرد، ويرفضها المبطلون ويكذبها الجاحدون والمنكرون، فحين أصبح النبي “صلى الله عليه وسلم” يخبر قومه بما كان معه في ليلته انقسم الناس عليه فمنهم من صدقه، وأذعن له بالقبول ومنهم من سخر منه ورماه بالكذب والجنون، ومن الناس من ارتد عن الاسلام وترك النبي لأنهم أعملوا العقل ورأوا أن ما يقال مستحيلاً بمقاييسهم البشرية القاصرة.

كذلك نتعلم منها معنى الإيمان والتصديق الحقيقي الراسخ الذي لا يزحزحه شيء والموقف الواضح الشجاع الأمين من الصديق مع صديقه في الخطوب والشدائد، ولعل أبرز علامات النصر والتأييد أن يؤيد الصديق صديقه حين يتخلى عنه الناس وأن يصدقه حين يكذبوه، وهكذا كان موقف الصديق من صديقه وحبيبه محمد “صلى الله عليه وسلم” حين اعترضه بعض المشركين ” رضي الله عنه ” وقالوا له : إن صاحبك يزعم أنه أسري به إلى بيت المقدس، فقال أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ : إن كان قال فقد صدق .

ومن الدروس أيضاً ان نتعلم وجوب اتصاف الداعية إلى الحق بالشجاعة والجرأة وأن لا يخش في الحق لومة لائم، وهذا ما كان من النبي “صلى الله عليه وسلم” فقد واجه قومه بأمر تستنكره عقولهم وترفضه تصوراتهم ومقاييسهم، وثبت على موقفه ولم يتراجع حين رأى من النكران ما رآه.

كذلك نستنتج مما ورد من أحداث الإسراء أن دبننا الإسلامي هو دين الفطرة السليمة، والطبيعة النقية القويمة فحين خير النبي بن اللبن والخمر وهو بمثابة اختيار بن الطاهر والنجس أو الطيب والخبيث فقد اختار الطيب الطاهر الحلال المبارك، وجنحت إليه رغبته ووافق فطرته، وهذا لعمري يثبت لنا أن صلاح حالنا واستقامة أمورنا مرهون بالعودة إلى ديننا والرجوع إلى أوامره والابتعاد عن نواهيه، ولا عجب فمن خلقنا وهو أعلم بنا بما يناسبنا هو نفسه من سن لنا شريعتنا ووضع لنا منهاجاً نسير عليه في دروب الحياة وهو القائل جل في علاه:{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ}.

أيضاً من الدروس العظيمة بيان مكانة الصلاة عند المسلمين وأهميتها في التشريع وما انطوى عليه الأمر بالصلاة من التخفيف والرحمة والكرم في العطاء، فلولا أهمية الصلاة ما فرضت على النبي في السماء، ولولا رحمة الله بالعباد وعلمه بضعفهم ما خفف عنهم الصلاة من خمسين إلى أربعين إلى ثلاثين إلى عشرين ثم إلى خمس صلوت فقط في اليوم والليلة، ولولا كرمه معهم وعطائه الجزيل لما جعل ثواب الخمس صلوات خمسين صلاة، يقول تعالي: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر)، ويقول في معرض الحديث عن أهمية الصلاة: (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا).

كما بينت رحلة الإسراء والمعراج أهمية المسجد الأقصى للمسلمين وأنه ضمن مقدسات عقيدتهم، حيث جعلت رحلة النبي من المسد الحرام إلى المسجد الأقصى ولم تجعل إلى وجهة أخرى، وعنه يقول النبي الكريم “عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم” لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى)، ليستشعر العالم الإسلامي وحكامه مسؤوليتهم تجاه المسجد الأقصى فيسعون إلى تحريره وتخليصه من اليهود والكفرة، والله المستعان.

وختاماً، أوصيكم ونفسي أخوة الإسلام بتقوى الله والتوكل عليه واتباع ما أمر به والانتهاء عما نهى عنه، فهذه سبل النجاة والفلاح والصلاح، وأدعو الله أن يرفع عنا البلاء والعناء ويتغمدنا برحماته ولطائفه، إنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.. وأقيموا الصلاة.


خطبة وزارة الأوقاف الرسمية: في رحاب سورة الإسراء

الحمد لله الذي أسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد:

فإن الله سبحانه وتعالى قد أيّد رسله (عليهم السلام) بالمعجزات، ومن هذه المعجزات: معجزة الإسراء والمعراج بنبينا محمد (صلى الله عليه وسلم)، حيث يقول الحق سبحانه وتعالى: {سُبْحَان الذي أسْرى بعبدِهِ ليلًا من المسجدِ الحرام إلى المسجدِ الأقصى الذي باركنا حوله لنُريَهُ من أياتنا أنه هو السميع البصير}. والمتأمل في هذه المعجزة الإلهية يجد أنها تحمل الكثير من الدروس والعبر، منها: بيان قدرة الله تعالى المطلقة، فإرادته سبحانه لا تخضع لقوانين الأسباب، يقول سبحانه: {إنما أمرُهُ إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون}.

ومنها: اليسر بعد العسر والفرح بعد الشدة، فبعد أن تحملَّ النبي (صلى الله عليه وسلم) ألوانًا من إيذاء المشركين في سبيل إبلاغ رسالة ربه سبحانه، جاءت معجزة الإسراء والمعراج تكريمًا وتأيدًا له، ومثالًا للفرح بعد الشدة، يقول تعالى: {فإن مع العُسر يُسْرَا* إن مع العُسر يُسْرَا}.

ومنها: عظم مقام العبودية، يقول تعالى: {فأوحى إلى عبدِهِ ما أوحى}، فعبودية الله تعالى تشريف وتكريم، وهي غاية الله تعالى من خلقه، ورسالة الأنبياء جميعًا.

ومنها: بيان مكانة المسجد الأقصى، فإليه كان مسرى رسولنا الكريم (صلى الله عليه وسلم) ومنه كان معراجه إلى السماوات العلا، وهو أولى القبلتين، وثالث الحرمين، نسأل الله العلي العظيم أن يثبت المرابطين حوله، وأن يرده إلى المسلمين ردًا جميلًا.
ومنها: عظم منزلة الصلاة، وبيان فضلها، وخصوصيتها، فلما أُسْرى برسول الله (صلى الله عليه وسلم) انْتُهيَ به إلى سدرة المُنتهى؛ وهي في السماء السادسة… فأُعْطيَ ثلاثًا: الصلوات الخمس، وخواتيم سورة البقرة، ويُغفر لمن مات من أمته لا يشرك بالله شيئًا.

ومنها: بيان الروابط المشتركة بين الأديان، يقول (صلى الله عليه وسلم): (… الأنبياء إخوة لعلاتٍ، أمهاتهم شتَّى، ودينهم واحد)، وقد اجتمع الأنبياء ليلة الإسراء والمعراج، وصلى بهم نبينا (صلى الله عليه وسلم) إمامًا، ورحبوا به، ودعوا له.

ومنها: الأخذ بالأسباب، فعندما وصل (صلى الله عليه وسلم) إلى بيت المقدس ربط البراق، يقول (صلى الله عليه وسلم): (… فربطته بالحلقة التي يربط بها الأنبياء).

ومنها: تمييز صادقي الإيمان من غيرهم، فحين قالوا لسيدنا أبي بكر (رضي الله عنه): هل لك إلى صاحبك، يزعم أنه أُسرى به الليلة إلى بيت المقدس؟ قال: أو قال ذلك؟ قالوا: نعم، قال: لئِن كان قال ذلك لقد صدق، قالوا: أو تصدقه أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس، وجاء قبل أن يُصبح؟ قال: نعم، إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك؛ أُصدقه بخبر السماءِ في غدوةِ، أو روحةٍ، فلذلك سُميَّ الصديق.

أقول قولي هذا، واستغفر الله لي ولكم.

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين؛ سيدنا محمد، وآله، وصحبه، والتابعين.

إخوة الإسلام: كما تحدثت سورة الإسراء عن هذه الرحلة المباركة، تحدثت عن الإحسان إلى الوالدين، يقول تعالى: {وقضى ربُّكَ ألا تَعْبُدُوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا}، وخص الله تعالى الأم بمزيد من الاهتمام لما تبذله وتتحمله في الحمل والرضاع والتربية، يقول تعالى: {ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنْا على وهنٍ}، وحين سأل رجل النبي (صلى الله عليه وسلم): من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: (أمك)، قال: ثم منْ؟ قال: (ثم أمك)، قال: ثم منْ. قال: (ثم أمك)، قال: ثم منْ؟ قال: (ثم أبوك).
وجعل الشرع الشريف بر الأم من أهم أسباب رضوان الله تعالى، فقد جاء رجل إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يستأذنه في الجهاد، سأله: (أحَيَّةٌ أُمُّك؟) قال: نعم، قال: (ارجع فبرَّها)، فلما ألح عليه في السؤال، قال له: (ويحك، الزم رجلها، فثَمَّ الجنة).
ويكون برها بإكرامها ورد جميلها، وإدخال السرور عليها، ويستمر برها بعد وفاتها بالدعاء والاستغفار لها، والصدقة عنها، وبر أهل ودّها، يقول (صلى الله عليه وسلم): (إن أبر البر صلة الولد أهل ودِّ أبيه).

اللهم ثبتنا على دينك، واحفظ آباءنا وأمهاتنا ومصرنا، وسائر بلاد العالمين.

رابط مختصر:

أضف تعليق