مقال عن التضامن الإنساني

التضامن الإنساني

إن التضامن الإنساني من الأخلاق الحميدة التي مهد لها ظهور الإسلام، وجعله سمة أساسية في المجتمع الإسلامي، والذي يقوم على مبدأ التعاون.

والتضامن الإنساني كان هو المبعث الأول لقيام الحضارات، وارتفاع مكانة البلدان، وتحول الأمم من التخلف إلى الرقي في كل مجالات الحياة وفروعها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وغيرها.

التضامن الإنساني صفة أساسية، خلق حسن، ومبدأ حميد يجب أن يتصف به كل إنسان في العالم، ويتربى عليه في حياته، حتى تسود المودة والمحبة بين الناس، ويبتعدوا عن الطمع والأنانية الناتجين عن الشعور بالنرجسية المتزايدة.

التضامن الإنساني إذا انتهجه المرء في حياته فإنه يؤدي إلى السلام بين الأفراد، والثقة المتبادلة بين الإنسان وغيره، لأن كل فرد يثق في نفسه وغيره ويعلم جيدًا الدور المخول إليه في المجتمع، ومطالب تأديته على أكمل وجه، فيؤديه بإتقان دون النظر إلى ما في يد غيره.

التضامن الإنساني يكفل للمجتمع التكاتف والتلاحم، فيصير المجتمع كله على اختلاف أفراده كالجسد الواحد، العضو فيه يكمل الآخر، كلٌّ يعمل من أجل هذا المجتمع، يعمره ويساهم بدور ولو صغير في ترقيته وتحضره.

والتضامن الإنساني يختلف تعريفه من جهة إلى أخرى، فتعريف التضامن الإنساني رغم أنه معروف ومتشابه، فإنه يختلف عند الأفراد منه عند المؤسسات منه المجتمع الكامل، كلٌّ حسب الأهداف والغايات التي يجب أن يحققها التضامن الإنساني.

فعلى المستوى الفردي، فإن التضامن الإنساني يعني: تضافر قوى الأفراد، وتوزيع الجهد فيما بينهم، والاشتراك من أجل تنفيذ عمل واحد، بأن يؤدي كل فرد ما عليه دون الخوض في التنافسات القائمة على الحقد والأنانية والطمع.

وعلى المستوى الإجتماعي فإنه يعني: الاشتراك في التوجهات الأساسية والاهتمامات والغايات، رغم اختلاف التفصيلات والقناعات الشخصية بين أفراد المجتمع، من أجل بناء المجتمع أو المؤسسة، وتحقيق لها أكبر المنافع.

والتضامن الإنساني فطرة غرسها الله في نفس كل إنسان على وجه الأرض؛ إذ إن الإنسان دائمًا ما يكون في حاجة أخيه حتى يستطيع أن يؤدي أعماله، فالإنسان مهما بلغت قوته، فإنها عند حد معين ستضعف هذه القوة، ولن يتمكن من فعل كل شيء بمفرده، وإن عمل كل شيء بمفرده، لن يتمكن من إتقان أي شيء، لذلك فالإنسان يحتاج إلى أخيه دائمًا، يسانده ويشد على عضده، وتتضافر قواهم حتى يحققوا الهدف والرؤية النهائية لغايتهم، سواء على المستوى الاجتماعي أو المستوى الأسري أو المستوى الفردي.

أهمية التضامن الإنساني

إن التضامن الإنساني له تأثير في نفوس الأعداء بشكل أساسي، إذ إن التضامن الإنساني، كما أشرت، يؤدي إلى تلاحم أفراد المجتمع، وتكاتفهم، فيكونون كالجسد الواحد، بل الجسد الواحد القوي المنيع، الذي لا يستطيع العدو أن يقهره أو يصنع فيه ثغرة، أو ينشب فيه فتنة تودي به وتهلكه، ولذلك إذا تضافرت القوى، وحقق المجتمع التضامن الإنساني، أصبحت هزيمة العدو مؤكدة.

إن التضامن الإنساني كالبذرة الصغيرة، يغرسها الإنسان في نفسه، فتنمو في روحه، وتستمر في النمو حتى تشكل حصنًا منيعًا يشد من عضد المجتمع ويقويه، فإذا التصق الحصن بالحصن، انظر ماذا ينتج في المحصلة النهائية: مجتمعًا قويًا لا يُقهر، متحضرًا يقوم على المبادئ السليمة، والمودة والإيخاء.

التضامن الإنساني له الكثير من الفضائل على المستوى الفردي والمجتمعي، وهو ما سأبينه على النحو الآتي:

أهمية التعاون للفرد

إن الفرد حين يزرع بزرة التضامن الإنساني في نفسه فإنه يجني نفسية سليمة، وقلبًا طيبًا، قائمًا على مبدأ التعاون والمشاورة، لا يشوبه نوع من أنانية، أو طمع في ما بيد غيره، أو الطمع في الاستحواذ على كل شيء، لأنه يعلم جيدًا دوره الواضح في بناء المجتمع، ويؤديه بسماحة خاطر، باذلًا جهدًا مضنيًا حتى يحقق نجاحات هائلة لنفسه ولمجتمعه.

والتضامن الإنساني له أهمية كبيرة في الأسرة، إذ يؤدي إلى ترابط الأسرة وتداخلهم فيما بينهم، لأن كل فرد في الأسرة يعلم أنه عمود من أعمدة البيت، إذا تزحزح من مكانه فإن البيت الذي يعيش في كنفه، ويعيش فيه الناس الذين يحبهم، سينهار.

ولذلك فإن التضامن الإنساني يحقق التكاتف والتلاحم الأسري، ويحد من ظاهرة التفكك التي تؤدي إلى تشرد الأولاد وابتعادهم عن أسرتهم، غير أنه يحد من فرصة ظهور إنسان غير واعي، يخرب ولا يعمر، ونفسه مليئة بالعقد والأمراض جراء التفكك الأسري.

ومن فوائد التضامن الإنساني بين الأفراد أنه يزيد من فرصة تولد الأفكار، وعرض وجهات النظر المختلفة، وخلق فرصة أكبر للإبداع، وتحقيق نجاحات ملموسة بمساعدة الآخرين، وبالاستعانة بالعديد من وجهات النظر الأخرى التي تفتح الآفاق وتوسع المدارك.

أهمية التعاون للمجتمع المتكامل

إن المجتمع المتكامل، بالتضامن الإنساني، يصبح كالجسد الواحد، كل عضو فيه له وظيفته في الإبقاء على حياة هذا الجسد حيًا، وكل عضو له وظيفة في تعمير هذا الجسد وتقويته، فلا يستطيع أي عدو أن يخلق ثغرة واحدة تخترق جسد المجتمع في مقتل، بل يستطيع أفراد المجتمع المتضامن أن يهزموا أعداءهم بتكاتفهم وتلاحمهم.

غير أن التضامن الإنساني يشيع جوًا من التآلف والمحبة بين الناس، من خلال تضافر قوى المجتمع من أجل تنميته، ورسم السعادة في وجوه أفراده، ومساعدة الغني للفقير، ومساندة الفقير للغني، وبالتالي يذهب عن المجتمع البغض والكره والحقد، بل تسود المحبة والألفة ويتطور المجتمع في هذا الجو الطيب.

والتضامن الإنساني يؤدي إلى تنمية المجتمع من خلال قضاء الحاجات الأساسية لأفراده في كل مستويات الحياة، من الناحية الصحية والتعليمية، والاقتصادية والسياسية، لأن المجتمع، بالتضامن الإنساني، يكون كتلة واحدة، كل وجهات النظر تنفتح على الأخرى رغم الاختلافات في دقائق الأمور.

والتضامن الإنساني يعطي الفرصة الكبيرة لأفراد المجتمع أن ينموا المواهب، وبهذه المواهب يتطور المجتمع ويصبح ذا واجهة حضارية، تحترم العقل، والإبداع، ولا تستطيع الأيام أن تدفن هذه المواهب، لأن أحد الأفراد استأثر بالمدح والجوائز والبطولات لنفسه، بل يؤدي التضامن الإنساني إلى خروج هذه المواهب إلى النور، ورقي المجتمع.

التضامن الإنساني له دور كبير في القضاء على نسبة البطالة بين الشباب، من خلال التضافر والتعاون القوي بين المؤسسات والشباب الذين يحتاجون إلى من يقدرهم، ويعطونهم حقهم، وإشراكهم في القرارات المصيرية المتعلقة بالمجتمع، وبذلك يزيد انتماء الشباب إلى المجتمع، وتقل فرص الهجرة، وتزيد فرصة التقدم والرقي، وزيادة الوعي بين الأفراد.

إن التضامن الإنساني خلق حث عليه الإسلام، قال تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ).

فالله يحث العباد على التضامن الإنساني على البر والتقوى، ولا يتعاونوا على الإثم والعدوان، وكان المسلمون في البداية يتمسكون بذلك الخيط المتين، مما عاد على المجتمع الإسلامي بكثير من الخير، فقامت الإمبراطورية الإسلامية التي كانت على مشارف غزو أوروبا حين فتحت الأندلس.

والتضامن الإنساني هو ما رفع كلمة الإسلام عاليًا، بالمشورة بين الرسول “صلى الله عليه وسلم” وأصحابه، فاتخذ المسلمون القرارات الصحيحة لصد أعداء الإسلام، وزرع في قلوبهم الخوف، رغم أن المسلمين كان عددهم قليل في كثير من الأحيان.

إن التضامن الإنساني مبدأ هام جدًا لبناء المجتمعات، ووضعها على طريق التحضر والنمو والرقي، ولكي يستطيع الإنسان أن يغرس هذا المبدأ في داخله، لابد أن يتعلم كيفية احترام الآخرين، وأن يبحث في الأخلاق الحميدة التي حث عليها الإسلام ويطبقها، وبذلك يستطيع أن يحقق مبدأ التضامن الإنساني.

رابط مختصر:

أضف تعليق