مقال عن حب مصر

حب مصر

إن مصر تتميز بالكثير من الأمور مما لا يتوافر في البلاد الأخرى: العربية والغير العربية، ففي كل النواحي تتميز مصر بجوها الساحر الذي يخلب اللب، هذا الجو الساحر يخلقه العادات الجميلة التي دأب عليها المصريون، أو المناظر الأثرية والطبيعية التي تمتاز بها مصر، أو الطباع الطيبة التي يتميز بها أهل مصر، أو خفة الدم وظرافة الحس التي يتميز بها أهل مصر.

فمصر حين تقبل عليها تشعر بالحياة تعتريك، مما لا تشعر به في غيرها من البلاد العربية أو الأجنبية، وذلك هو السبب الذي يجعل الكثير من رواد مصر وسياحها لا يريدون الخروج منها بعدما دخلوها.

ورغم الكثير من العادات السلبية والغريبة التي تظهر من أهل مصر، فإن فيهم خيرًا كثيرًا، وطيبة وسماحة في قلوبهم، وقوة ومنعة أمام الأعداء؛ فهم لا يهابون أحدًا، بل من الممكن أن يلتقموه كما يلتقم الفهد فريسته، إذا حاول أحد أن يستهين بقوتها.

وقد ظهر هذا قويًا في العصر الحالي من خلال الثورتين التي قام بها الشعب المصري صارخًا في وجه الظلم والاستبداد، فقد صبر كثيرًا وكثيرًا ثم في لحظة انفجر كالبركان في وجه الذين يحاولون أن ينهبوا خيراته، وكانت النتيجة بانتصار الشعب دائمًا، وابتعاد الظلم والفساد بعيدًا بلا رجعة، وإشراق شمس التغيير والحضارة من جديد على أرض مصر.

صفات أهل مصر وجند مصر

إن للمصريين صفات تميزهم عن غيرهم من الشعوب؛ فأهل مصر يتسمون بالعاطفية الشديدة في تدارك الأمور، تجد في دواخلهم طيبة وسماحة كبيرة، رغم أن نسبة كبيرة من المصريين فقراء إلا أنهم يتعاملون بقناعة دائمًا وسماحة نفس، ولا يرضون أن يدوس أحد على كرامتهم.

للمصريين عقائد ثابتة لا يستطيع أحد أن ينتشلها، أو يحاول تغييرها، المصري كريم يستطيع أن يكرم ضيفه وصحبه جيدًا.

المصري ودود يحب الجماعة والالتفاف والتكاتف مع غيره في المصاعب والشدائد.

ورغم ذلك المصري قوي، بداخله منعة أمام الأزمات، يقف كالسد في وجهها، ولا يهاب شيئًا، قد ينظر إليه البعض نظرة الجنون، لكنه في الحقيقة لا يخاف المخاطر، بل يقدم عليها غير عابئ بشيء، لا يرى نصب عينيه إلا العدو الذي يريد أن ينهب بلاده، فإما يهزمه، أو يموت في سبيل دفاعه عن بلاده.

وجند مصر، فيهم خيرًا كثيرًا، يحافظون على البلاد مما قد يهاجمها من الإرهاب والأعداء في مختلف الأنحاء، يراعون الشعب جيدًا ومستعدون دائمًا لتنفيذ طلباتهم.

في جند مصر أسود من الغابة مستعدة لالتقام الأعداء الذين يحاولون السطو داخل أسوار مصر، وهم أيضًا يتميزون بمهارات عقلية كبيرة تصنفهم ضمن أقوى الجنود في العالم.

إن أهل مصر وجند مصر كتلة واحدة، ومهما اختلفوا في الرأي، إلا إنهم يتلاحموا في وجه العدو، ولا تؤثر فيهم فتنة أبدًا، وكلما استطاع العدو أن يخلث ثغرة بين الشعب وجنوده، كان الشعب قادرًا على سد تلك الثغرة، وعدم السماح للفتنة بأن تتغلغل في النفوس، وتهدم البلاد، وتؤدي إلى خرابها.

مصر مذكورة في القرآن

مصر هي البلد التي ذكرت في القرآن الكريم خمس مرات، وذلك أكبر تكريمًا لها، وأكثر دليلًا على أهمية مصر ومكانتها، وقصص الأنبياء فيها.

قال تعالى: (فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ).

فمصر بلد الأمن والأمان، لا يخاف فيها زائر شيئًا، ولا يخشى فيها أحد أهلها، فأنت وإن كنت غريبًا واحتميت بأهل مصر، فإنهم يحمون غريبهم كأنه واحد منهم عاش بينهم سنوات طويلة ويعرفونه حق المعرفة.

مصر والسنة النبوية

ذكر الرسول “صلى الله عليه وسلم” مصر في مواضع عديدة، تضفي العزة والكرامة والقوة لأهل مصر، وتبين أهمية مصر للعالم جميعًا، فقد كان ذكر مصر على لسان النبي “صلى الله عليه وسلم” ولا تحتاج مصر تكريمًا أفضل من تكريمها بذكرها في القرآن الكريم، وعلى لسان النبي “صلى الله عليه وسلم”

يقول النبي “صلى الله عليه وسلم”: (إنكم ستفتحون أرضصا يذكر فيها القيراط، فاستوصوا بأهلها خيرًا، فإن لهم ذمة ورحما).

وتلك وصية النبي “صلى الله عليه وسلم” وشهادته لأهل مصر وما فيهم من الذمة والخير والطيبة والجمال.

مصر في نظر العلماء

لقد انبرى كبار العلماء والأدباء يتغنون بمصر في أحاديثهم وجمالها، وما في أهلها من الطيبة، إلى جانب المنعة والقوة الشديدة في وجه الأعداء والخصوم.

قال ابن الكندي المصري، وقوله شافيًا كافيًا عن مصر وأهلها وفضلها:

(فضل الله مصر على سائل البلدان، كما فضل بعض الناس على بعض، والأيام والليالي بعضها على بعض، والفضل على ضربين: في دين او دنيا، أو فيهما جميعًا، وقد فضلا لله مصر وشهد لها في كتابه بالكرم وعظم المنزلة، وذكرها باسمها، وخصها دون غيرها، وكرر ذكرها، وأبان فضلها في آيات من القرآن العظيم، تنبئ عن مصر وأحوالها، وأحوال الأنبياء بها، والأمم الخالية، والملوك الماضية، والآيات البينات، يشهد لها بذلك القرآن، وكفى به شهيدًا.

ومع ذلك روي عن النبي “صلى الله عليه وسلم” في مصر وعجمها خاصة “أي القبط” وذكره لقرابته ورحمهم، ومباركته عليهم وعلى بلدهم، وحثه على برهم ما لم يرو عنه في قوم من العجم غيرهم، مع ما خصها الله به من الخصب والفضل، وما أنزل فيها من البركات، وأخرج منها من الأنبياء، والعلماء والحكماء والخواص والملوك والعجائب بما لم يخصص الله به بلدًا غيرها، ولا أرضًا سواها، فإن ثرب علينا مثرب بذكر الحرمين، أو شنع مشنع، فللحرمين فضلهما الذي لا يدفع، وما خصهما الله به مما لا ينكر، من موضع بيته الحرام، وقبر نبيه “عليه الصلاة والسلام” وليس ما فضلهما الله بباخس من فضل مصر، ولا يناقص منزلتها، وإن منافعها في الحرمين لبينة، لأنها تميرهما بطعامها، وخصبها، وكسوتها وسائر مرافقها، فلها بذلك فضل كبير، ومع ذلك فإنها تطعم أهل الدنيا ممن يرد إليها من الحاج طول مقامهم، يأكلون ويتزودون من طعامها من أقصى جنوب الأرض، وشمالها ممن كان من المسلمين في بلاد الهند والأندلس وما بينهما، لا ينكر هذا منكر، ولا يدفعه دافع، وكفى بذلك فضلًا وبركة في دين ودنيا”.

وتلك شهادة كافية تبين فضل مصر وجمالها وحلاوة أهلها العظيمة.

وإني في هذا المقال لا أود الحديث عن آثار مصر وما خلفه الفراعنة، ونيل مصر الخصب، فكلها أمور معروفة عن مصر، فمصر رمز في تلك الآثار يأتي إليها من يأتي ويشاهد آثارها، ولكني أحببت في هذا المقال أن أذكر مصر برمز يشيع على لسان أهلها، وأكثر ما يتداول على لسان أهل مصر هو الأمثال، فأهل مصر يستطيعون أن يؤلفوا أعمق الفلسفات في جملة بسيطة تشكل مثلًا يتداولونه على الألسن.

من تلك الأمثال: (امشي عدل يحتار عدوك فيك) فهذا المثل ينطوي على خلق عظيم، أن من يسير في الطريق المستقيم، لا يستطيع العدو أن ينال منه، لأنه يكون خاليًا من نقاط الضعف أو الزلل التي تؤدي إلى هزيمته.

ومنها أيضًا: (العلم في الراس مش في الكراس) يدل على أهمية تشغيل العقل وتدارك الأمور، وسرعة البداهة.

رابط مختصر:

أضف تعليق