مقال عن ذكرى البيعة

ذكرى البيعة

في ذكرى البيعة لابد أن نتعلم حولها، وننظر فيها، وأن نوسع مداركنا بالنظر في قصص مبايعة الخلفاء الراشدين بعد وفاة الرسول “صلى الله عليه وسلم”، والنظر أيضًا في المبايعات التي تمت في حياة الرسول “صلى الله عليه وسلم” واستخلاص منها أهم الدروس المستفادة: من نحو: مراتب البيعة، وكيفية البيعة أي الصورة التي تكون عليها، وشروط صحة البيعة.

تعريف البيعة

إن نظام البيعة هو نظام حكم الدولة الإسلامية، وقد تميزت الحضارة الإسلامية في النظام السياسي بهذا النظام، وهي لها شروط ومراتب اتفق عليها فقهاء المسلمين.

والبيعة: هي اختيار أهل الحل والعقد رجلًا يتوفر فيه الصفات اللازمة ليتولى أمر الأمة، ويجلب لها المنافع الدنيوية ويدفع عنها المضار، ويستطيع أن يحكم بالعدل ويردع الظلم، وينصر المظلوم.

وعلى هذا اتفق الفقهاء على أن يكون والي الأمة يتميز بتسع صفات: أن يكون ذكرًا، حرًا، بالغًا، عاقلًا، مسلمًا، عدلًا، شجاعًا، عالمًا، يتوفر فيه الصفات الكافية ليتولى الأمور السياسية والاجتماعية وغيرها لمصلحة الأمة.

فإذا اتفق أصحاب العقد والحل على أحدهم ليبايعوه بحكم الأمة الإسلامية فإن الناس ملزمة بطاعته، وتنفيذ أوامره، والانتهاء عما نهى عنه، إلا إذا أمرهم بمعصية، ففي هذه الحالة يجب عليهم ألا يطيعوه، شريطة ألا يصل الأمر مبلغ الفتنة والتفرق والحروب.

وهذا هو تعريف البيعة في الإصطلاح، أما في اللغة فإن البيعة ” كما في كتاب البيعة في الإسلام” هي صفقة على إيجاب البيع، وعلى المبايعة والطاعة، والبيعة: المبايعة والطاعة، وقد تبايعوا على الأمر، كقولك أصفقوا عليه، وبايعه عليه مبايعة: عاهده، وبايعته: من البيع والبيعة جميعًا، والتبايع مثله، وفي الحديث الشريف قال “صلى الله عليه وسلم”: (ألا تبايعوني على الإسلام؟) وهو عبارة عن معاهدة، كأن كل واحد منهما باع ما عنده من صاحبه وأعطاه خالصة نفسه وطاعته ودخيلة أمره.

ومن التعريفين نرى مدى تقارب التعريفين من حيث أنها مبايعة على أمر يخص المسلمين، ونرى مدى تشابه التعريفين.

أهمية البيعة

إن الشرع والعقل كلاهما يوافقان الرأي في ضرورة وجوب نظام البيعة في الحكم الإسلامي، وذلك هو منبع أهميتها للأسباب الآتية:

أن الناس يحتاجون دائمًا إلى القيادة التي تقودهم، وتنأى بهم عن الفوضى، التي يأكل فيها الكبير حق الصغير، وتضيع فيها الحقوق، والتي تسبب العصبية بين الناس، تلك العصبية التي تؤدي إلى الكثير من الحروب، وسفك الدماء.

وقد قال العلماء في أهمية وجوب البيعة: أن الإمامة وجبت بالعقل، فإنه من العقل التسليم إلى زعيم يرأس الأمة ويتولى أمرهم، فيمنع الظلم، ويصده، ويفصل في أمور النزاع، ولولاهم لعاش الناس في فوضى خلاقة، كأنهم مجموعة من الهمج يعيشون في الغابة.

ذلك إذا احتكمنا إلى العقل، أما إذا أردنا أن نحتكم إلى الشرع فإن الله “تعالى” قال:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ).

والرسول “صلى الله عليه وسلم” قال: (إذا كان ثلاثة في أرض فلاة فليؤمروا عليهم أحدهم).

وهكذا نرى وجوب نظام البيعة، وأنه على الأمة أن يبايعوا أحدهم يتولى أمرهم، من الناحية العقلية والناحية الشرعية الإسلامية.

واقرأ أيضًا هنا

الشروط الواجب توافرها في البيعة

وأقصد بتلك الشروط: أي الشروط الواجب توافرها في الشخص الذي سيتولى أمر الأمة، حتى يكون أهلًا لهذا المنصب، وقد وضع العلماء عدة شروط وضوابط يجب توافرها في العلماء، منها:

  • أن يكون الخليفة رجلًا؛ نظرًا إلى أن الوالي يخالط الكثير من الرجال من مستشاريه، كما أن المرأة تكون مدفوعة في أحكامها بالعاطفة، لذلك تستبعد المرأة من منصب كهذا.
  • ويجب أن يتمتع الخليفة بالحرية، فالعبد لا يصلح لتولي شئون نفسه حتى يتولى شئون البلاد والرعية.
  • ويجب أن يكون الخليفة بالغًا، يقدر على تأدية التكاليف الشرعية المطالب بها، غير أن الصغير يكون قاصرًا عن القيام بتلك الأمور.
  • ولابد أن يتسم الخليفة بالعقل، فلا يتولى شئون الرعية مجنونًا أو معتوهًا أو من به إغماء مستمر.
  • يجب أن يدين الخليفة بالإسلام، فالمسلم أولى بتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية على المسلمين من غيره، لأن غير المسلم لا يكون مؤهلًا لتطبيق هذه الأحكام لكونه غير عالم بها.
  • أن يتسم الخليفة بالعدل: والعدالة هي مجموعة صفات أخلاقية، مبدأها اجتناب الكبائر والابتعاد عن الصغائر، والاتصاف بالأخلاق الحميدة من نحو: الأمانة والصدق ورعاية الآداب الاجتماعية، ومراعاة ما ألزمت الشريعة الإسلامية الالتزام به.
  • أن يكون الخليفة ذا علم، فيكون قادرًا على تنفيذ الأحكام الإسلامية، ولا يتوفر في الخليفة ذلك إلا إذا كان ذا علم بالأصول الإسلامية وفروعها، وغيرها من العلوم التي تدفعه إلى تولي الحكم بالعقل والفطنة.
  • لابد أن تتوفر الحكمة في صفات الخليفة؛ فيكون ناضج سريع البداهة، لديه ما يكفيه من الخبرات والتجارب.
  • يجب أن يتسم الخليفة بالجرأة والشجاعة؛ إذ أن الخليفة قائد الأمة لابد أن تكون فيه شجاعة تضاهي شجاعة الأمة كلها حتى يستطيع أن يدب فيهم الحماسة، وأن يكون ذا عزم قادر على حماية حدود دولة خلافته.
  • وأخيرًا يجب أن يكون الخليفة مكتمل الجسم والحواس لا ينقص منه شيء يمنعه من المبايعة على الخلافة.

واجبات الخليفة تجاه الأمة

إن على الخليفة الذي بايعته الأمة على الخلافة مجموعة من الواجبات التي يجب أن يلتزم بها ويؤديها على أكمل وجه، ومن هذه الواجبات:

  • أن يحفظ الدين الإسلامي ولا يعطي فرصة للابتداع فيه، والالتزام بالرد على الذين يصرون على تشويه الدين الإسلامي، وعليه أن يغرس الدين الإسلامي في قلوب الأمة، من خلال توافر صفات المسلم الحقة فيه فيكون قدوة المسلمين يقتدون به.
  • عليه أن يعين قضاة للفصل في الأحكام، فيحد الظلم ويمنع الجرائم وغيرها من الأمور التي تكون من اختصاص القاضي العادل، والتي يكون منبعها الشريعة الإسلامية.
  • لابد أن يكون قدوة صالحة لأمته في خلقه وعلمه وسيرته؛ ففي عهد الفاروق عمر بن الخطاب، اقتدى الناس به في الزهد والتقشف، وهو ما كان معروفًا جليًا عن الخليفة عمر بن الخطاب رغم نجاحه وقوته، إلا أنه كان أكثر الناس مخافة من الله “سبحانه وتعالى” وأحرص الناس على إقامة العدل.
  • يجب على الخليفة أن ينهى الأمة عن المنكر ويأمرهم بالمعروف، وفي ذلك حفظ لما جاء في الدين الإسلامي، وذلك يكون بالرفق والدين والحجة المصيبة، وليس بالشدة والعنف، وعلى الحاكم أن يهيء جماعة ممن تتوفر فيهم هذه الأهلية.
  • يجب على الخليفة أن يهتم بالعلم الدنيوي كما يهتم بالعلم الديني، فيعطي العلماء قدرهم، ويشجعهم على إكمال ما بدأوه، وتشجيع الشباب على تلقي العلم.
  • العمل بمبدأ الشورى، وهي من الأمور السياسية الهامة التي كانت في مبادئ الرسول “صلى الله عليه وسلم” رغم أنه لا ينطق عن الهوى ورأيه دائمًا مصيب، لكنه كان حريصًا على أخذ مشورة أصحابه ممن يتوفر فيهم العقل والعلم الكافي، ويجب على الخليفة أن يقتدي بذلك من الرسول “صلى الله عليه وسلم”

ذلك بعض ما تيسر عن البيعة والشروط الواجب توافرها في الخليفة، فمن أراد أن يعرف عن أكثر عن البيعة عليه أن يبحث ويقرأ عن سياسية المصطفى “صلى الله عليه وسلم” في المبايعة، والخلفاء الراشدين من بعده.

رابط مختصر:

أضف تعليق