مقال عن يوم اليتيم

مقال عن يوم اليتيم

نقول في مُستهل حديثنا عن يوم اليتيم، أن القدر يزرع في طريقنا النبتة الصغيرة، التي تركها الآخرون في مهب الريح، تعصف بها وتربيها، وتستقي ماءها من الأمطار، وتكبر شجرة ضخمة، لها أفرع وأوراق، يستظل بها من يرنو إلى الظل، ويأتنس في وصفها الأديب والشاعر، ولا يستطيع أحد أن يعلم ما بداخل الشجرة من الألم والوحدة إلا نفسها.

تلك الشجرة كانت بذرة في يوم ما، بفضل الله أصبحت على ما هي عليه، قد نؤذيها، قد نقتلها، ولكن لا يمكننا أن نمنع رزقها، والعطف عليها واجب، لأنها تقدم لنا بقدر ما تأخذ منا، بل تقدم أكثر ما تأخذ منا.. يكفينا دفء ظلها.

ذلك هو حال اليتيم، ساقه القدر إلى الحياة وحيدًا، لا أحد له سوى نفسه، تربيه الأيام، وتعصف به رياح الظروف، والركض وراء المعيشة، يجيش قلبه بالعواطف والمحبة تجاه كل البشر، حتى يقتصوا منه كل ذرة محبة في داخله، أو ينمون فيه روح المحبة والعمل والتسامح، ويصبح شجرة كبيرة، تتكاثر فروعها، وتترطب أوراقها بالندي.

إن اليتيم اختبار لإنسانيتنا كبير، يختبر فينا عطفنا ومحبتنا، ومدى الرحمة التي فُطرنا عليها، والحياة التي في إمكاننا أن نهبها إياه، والفرحة التي يمكن أن نزرعها في قلبه، ونعم بها قلوبنا معه.

إن اليتيم هو طريق وسبيل إلى الجنة، لمن أحسن إليه، ومن وضع فيه جهده حتى يصير من أعظم الناس، واليتيم لا يتوانى لحظة في أن يكون إنسانًا عظيمًا، فهو يتمنى بشدة ذلك، لكنه يحتاج إلى يد العون الدائمة، التي تربت على كتفه، وتهبه العلم والعمل، وتكفل له حياة طيبة مثله كمثل غيره من بني البشر ذوي الحسب والنسب والمعارف.

اليتيم ليس فقيرًا، بل اليتيم يغتني بما يُحرم منه الكثير من الناس، يغتني بالمحبة، والعطف، والرحمة في قلبه، يغتني برقته، يغتني بالحياة التي يهبها في كل شيء يتلمسه لأنه يرى الحياة على أصلها، لا يخالط قلبه نفاق ولا رياء، فاليتيم الذي عصفت به الأيام يمينًا ويسارًا، لا أظن أن لديه ما ينافق لأجله، أو يحاول أن يخفي رقة قلبه من أجله.

يوم اليتيم

كانت بداية يوم اليتيم من الفكرة التي اقترحها أحد متطوعي جمعية الأورمان الخيرية، بتخصيص يوم لليتيم، للاحتفال به، والفرح من أجله، وإعطائه الهدايا، وإشعاره بالدفء بوجودنا بجانبه.

وكان الهدف الأساسي من يوم اليتيم: هو التركيز على الاحتياجات العاطفية لليتيم، وإعطائه ما يحتاجه بالمحبة والسعادة على وجوهنا، وإشعاره أنه ليس وحيدًا كما يتصور، بل أن العالم كله يفكر فيه، ويأمل أن يكون أحسن الناس، ويطور من مجتمعه حتى يجعل الحياة المعيشية له أيسر حالًا.

وانتقلت بعد ذلك الفكرة بشكل ما من المحيط المصري إلى المحيط العربي، وأصبح صداه يدوي في أرجاء العالم كله الآن، وخُصص أول يوم جمعة من شهر إبريل للاحتفال بيوم اليتيم، وتقضية اليوم من أجله، ومحاولة خلق له جوًا من الألفة والمحبة، يجعله يخرج من شرود وحدته، ويرى العالم على فطرته، فيعلم كم أن العالم يحبه ويجله، ويتمنى له السعادة والراحة دائمًا، وأنه يبذل كل ما في وسعه حتى يجعل حياته أفضل.

الإسلام واليتيم

وبما أن الإسلام هو الدين القويم الذي يجب أن نقتدي به، وننتهج نهجه، ولا نخرج عن وصاياه وقوانينه، يقينًا منا أن فيه الخير والصلاح لكل ما هو كائن في الحياة، لذلك فإنا حين نسأله عن اليتيم يجيب بكل الرحمة والسماحة بما اختزنه في داخله من عند الله لليتيم، وما له من حقوق علينا، بل إن الإسلام يرينا أن العطف على اليتيم له فضل كبير عند الله، وله ثواب عظيم يرفع المسلم إلى درجات الجنة. إذًا، في منظور الإسلام، أن العطف على اليتيم ليس فقط من أجل إسعاده وإفراحه، بل من أجل أن ننعم، نحن أنفسنا، بالسعادة والرضا تجاه أنفسنا، وتجاه رضا الله عنا، وأنه لم ينزع من قلوبنا فطرة الرحمة والعطف التي زرعها فينا يوم خلقنا، والعطف والرحمة هما أجل وأجمل شعورين ممكن أن يتحلى به المجتمع الإنساني الإسلامي.

وفي تعليم ما يضفيه العطف على اليتيم على قلب الإنسان المسلم، ما قاله الرسول “صلى الله عليه وسلم” لمن جاء يشكوه قسوة قلبه: “امسح رأس اليتيم، وأطعم المسكين”. فالمسح على رأس اليتيم يجعل الإنسان يشعر بما فطره الله عليه من الرحمة والمحبة، وإني أتخيل من يفعل ذلك التعليم، المسح على رأس اليتيم، تفيض عينيه، لمدى الرحمة والرقة التي زرعها الله في قلبه، وفضله بها عن سائر المخلوقات، وفي وجهة نظري أن هناك حكمة أخرى من تعليم الرسول “صلى الله عليه وسلم”، إذ إن مسح رأس اليتيم، يجعلنا نشعر بالنعمة التي رزقنا الله بها، وأنه برزقه لنا نكون سببًا في رزق هؤلاء اليتامى والعطف عليهم، وذلك يرقق القلب، ويجعل الإنسان يخر من رحمة الله، ويخشع لجلاله.

والقرآن قد وصى باليتيم في أكثر من موضع، يدعو الناس إلى العطف عليه، وعمل كل ما فيه مصالحه، وعدم إشعاره بالنبذ.

في سورة النساء، قال “تعالى” (وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً).

وقد جرم الله “سبحانه وتعالى” أكل أموال اليتامى، وجعل مثل ذلك العمل يستوجب العقاب في الدنيا والآخرة، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا).

والرسول “صلى الله عليه وسلم” وصى بتكافل اليتيم، والعطف عليه، وأوضح في حديث شريف مدى الدرجة التي يصلاها كافل اليتيم في الجنة، فقال “صلى الله عليه وسلم” (أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا) وأشار بإصبعيه السبابة والوسطى.

وغير ذلك مما ذكر في القرآن والسنة عن فضل الإحسان إلى اليتيم والعطف عليه وحفظ ماله، وتكافل حياة معيشية جيدة له.

مظاهر إفراح اليتيم

وبما أن يوم اليتيم قد قارب على المجيء، فإننا نوجز هنا بعض المظاهر التي تساعد في تنمية روح اليتيم، وجعل نفسيته أفضل، عن طريق احتوائه نفسيًا، وعاطفيًا، وبدنيًا، وعقليًا، وكل مظاهر الاحتواء.

فإذا أردنا أن نهتم بعقل اليتيم، وننشئه نشأة صالحة، لا فساد فيها، تُضفى إلى نفسه العطرة المحببة، فتزيدها رحمة ونضجًا، فإنا نرشده إلى الطرق السليمة في الحياة، وإعطائه النصائح التي إذا سار في طريقها تصير حياته أفضل، وذلك بتعليمه كل ما وصى به دينه من التعاليم التي يتخذها نبراسًا له في الحياة، تنير طريقه، وتدفعه دائمًا إلى الخير، إلى جانب تهئته لخوض الحياة العملية في المجتمع، بتعليمه كيفية التعامل مع الأشخاص، وكل ما تطلبه الحياة من مهارات حتى يصير فيها ناجحًا دون أن يستنفذ وقتًا كبيرًا من حياته وهو يحاول أن يدرك كل تلك الطرق، وبعد ذلك انظر إلى اليتيم كيف أن عقله الناضج سيجعله ينهض بالمجتمع.

وإذا أردنا أن نولي اهتمام بنفسيته وروحه، فإنا نهتم كثيرًا بالعطف عليه واحتوائه، بتقديم له الهدايا، والمال، وعدم إشعاره بالنقص أو الحرمان، وكل ذلك لا يتأتى إلا إذا كان المُعطِي سمح النفس، يملأ نفسه رضا وينقشع عنها مظاهر النفاق والرياء.

إلى جانب الكثير من الأمور التي قد يحسن بها الإنسان إلى اليتيم، من إقامة الرحلات له، ومعاملته بلطف وبر، وعدم أذيته معنويًا أو ماديًا، وما إلى ذلك مما يمكن أن يحسن نفسية تلك النبتة الصغيرة.

أضف تعليق